المقريزي
215
رسائل المقريزي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وصحبه والتابعين ، صلاة باقية إلى يوم الدين . . . وبعد : فهذه مقالة وجيزة في ذكر المعادن قدتها تذكرة لي ولمن شاء الله تعالى من عباده ، وبالله أستعين فهو المعين . اعلم أن الأرض « 1 » جسم بسيط طبعها بارد يابس وهي متحركة إلى الوسط ، وشكها قريب من الكرة ، والقدر الخارج منها محدث ، وخلقت باردة لأجل الغلظ والتماسك ، إذ لولاهما لما أمكن قرار الحيوان على ظهرها « 2 » ، وحدوث المعادن والنبات في جوفها ، وهي ثلاث طبقات : طبقة قريبة من المركز وهي الأرض الصرفة ، وطبقة طينية انكشف بعضها وأحاط البحر بالبعض الآخر والأرض الأفلاك « 3 » وهي واقعة في الوسط ، والهواء والماء يحيط بها من جميع الجهات . والإنسان في أي موضع وقف على سطح الأرض تكون رأسه مما يلي السماء ورجلاه مما يلي الأرض ، وهو يرى من السماء نصفها ، وإذا انتقل إلى موضع آخر ظهر له من السماء مقدار ما خفى عنه من الجانب الآخر ، ولكل تسعة عشر فرسخا « 4 » في الأرض درجة من درجات الفلك ، والبحر محيط بأكثر وجه الأرض ، والمكشوف منها قليل وهو ناء عن الماء على هيئة بيضة غاطسة في الماء ، وقد خرج من الماء محدبها ، وليست الأرض منتصبة ولا ملساء ولا مستديرة ، بل كثيرة الارتفاع والانخفاض ، وأما باطنها فكثيرة الأودية والأهوية والكهوف والمغارات ، ولها منافذ وخلجانات ممتلئة مياها وبخورات ورطوبات دهنية ينعقد منها الجواهر المعدنية ، وتسلك الأبخرة والرطوبات دائما في الاستحالة والتغير والفساد . وأما ظهرها فكثير الجبال والأودية والجداول والبطاح « 5 » والآجام « 6 » والرحال
--> ( 1 ) أرض ( ج ) أراض وأرضون وهي أحد كواكب المجموعة الشمسية وهو الكوكب الذي نسكنه . ( 2 ) في المخطوطة : ظهورها . ( 3 ) الفلك : المدار الذي يسبح فيه الجرم السماوي ( ج ) أفلاك . الوجيز ( 481 ) . ( 4 ) الفرسخ : مقياس قديم من مقاييس الطول يقدر بثلاثة أميال ( ج ) فراسخ . مصدر سابق ( 467 ) . ( 5 ) الأبطح : المكان المتسع يمر به السيل فينزل فيه الرمل والحصى الصغار ( ج ) أباطح . مصدر سابق ( 54 ) . ( 6 ) الأجمة : الشجر الكثير الملتف ( ج ) آجام .